جلال الدين السيوطي

328

الإتقان في علوم القرآن

ومن ذلك نوع أحدثه هؤلاء الذين يجتمعون فيقرئون كلّهم بصوت واحد ، فيقولون في قوله تعالى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ * ( أفل تعقلون ) بحذف الألف ، و ( قال آمنا ) بحذف الواو ، ويمدّون ما لا يمدّ ، ليستقيم لهم الطريق التي سلكوها ، وينبغي أن يسمّى : التحريف . انتهى . فصل في كيفية الأخذ بإفراد القراءات وجمعها « 1 » الذي كان عليه السلف أخذ كلّ ختمة برواية ، لا يجمعون رواية إلى غيرها إلّا أثناء المائة الخامسة ، فظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة ، واستقرّ عليه العمل ، ولم يكونوا يسمحون به إلّا لمن أفرد القراءات ، وأتقن طرقها ، وقرأ لكلّ قارئ بختمة على حدة ؛ بل إذا كان للشيخ راويان قرءوا لكلّ راو بختمة ، ثم يجمعون له ، وهكذا . وتساهل قوم ، فسمحوا أن يقرأ لكلّ قارئ من السبعة بختمة ، سوى نافع وحمزة ، فإنّهم كانوا يأخذون بختمة لقالون ، ثم ختمة لورش ، ثم ختمة لخلف ، ثم ختمة لخلّاد ، ولا يسمح أحد بالجمع إلّا بعد ذلك ، نعم إذا رأوا شخصا أفرد وجمع على شيخ معتبر ، وأجيز وتأهّل ، وأراد أن يجمع القراءات في ختمة ، لا يكلّفونه الإفراد ؛ لعلمهم بوصوله إلى حدّ المعرفة والإتقان . ثم لهم في الجمع مذهبان : أحدهما : الجمع بالحرف ، بأن يشرع في القراءة ، فإذا مرّ بكلمة فيها خلف أعادها بمفردها ، حتى يستوفي ما فيها ، ثم يقف عليها إن صلحت للوقف ، وإلّا وصلها بآخر وجه حتّى ينتهي إلى الوقف . وإن كان الخلف يتعلّق بكلمتين كالمدّ المنفصل وقف على الثانية ، واستوعب الخلاف ، وانتقل إلى ما بعدها . وهذا مذهب المصريين ، وهو أوثق في الاستيفاء وأخفّ على الآخذ ، لكنه يخرج عن رونق القراءة وحسن التلاوة . الثاني : الجمع بالوقف ، بأن يشرع بقراءة من قدّمه حتى ينتهي إلى وقف ، ثم يعود إلى القارئ الذي بعده إلى ذلك الوقف ، ثم يعود ، وهكذا حتى يفرغ ، وهذا مذهب الشاميين ، وهو أشدّ استحضارا ، وأشدّ استظهارا ، وأطول زمنا ، وأجود مكانا . وكان بعضهم يجمع بالآية على هذا الرسم . وذكر أبو الحسن القيجاطيّ في قصيدته وشرحها : لجامع القراءات شروطا سبعة ، حاصلها خمسة « 2 » :

--> ( 1 ) انظر هذا المبحث في النشر 2 / 194 - 206 . ( 2 ) انظر النشر 2 / 202 - 204 .